زباله ابنى أمانى السيد3

ابني اتنفس بصوت عالٍ كأن هم تقيل انشال من فوق صدره، طبطب على كتافي طبطبة خفيفة وقال بصوت دافي بس مليان وداع: «ربنا يخليكي ليا يا أمي.. وما يحرمكيش من الصحة». لف ضهره ونزل السلم بخطوات سرعة، ومستناش أقول أي حاجة.

بعد العصر، سمعت حركة دبة رجليين وشيل وحط فوقي. المشتري جه، رجل غريب بعيلته، وحسيت بكبسة قلب وأنا أسمع صوته وهو بيتفق مع ابني وبيستلم المفاتيح. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام أملي وستري وسعادة ابني، بقت ملك لناس غريبة. نزل ابني السلم للمرة الأخيرة، ما خبطش عليا، بس سمعت صوت عربية وهي بتبعد عن العمارة، وعرفت إن الخيط الأخير اتكسر بالكامل.

فتحت المظروف وأنا قاعدة في ضلمة الصالة. طلعت الصورة.. شفت وش حفيظي، ولد ملاك بيبتسم، عينيه كبار وشبه ابني لما كان صغير بالضبط. قعدت أبص للصورة وأحطها على قلبي وأبكي لحد ما عيوني ورمت. الصورة دي بقت هي مؤنستي الوحيدة في الدنيا.

مرت تسع شهور كمان.. تسع شهور من الوحدة القاتلة. العمارة بقت أهدى، والجيران خلاص بقوا يتعاملوا معايا بجفاء رسميات، يسلموا من بعيد لبعيد. الشقة اللي فوقي بقى يسكنها الراجل الجديد ومراته وعياله، وصوت خطواتهم فوق رأسي كان بيذكرني كل ثانية باللي خسرته.

وفي يوم في منتصف الشتاء، والجو مطر وهوا يكسر العضم، جاء لي تليفون غريب. رفعت السماعة وإيدي بتترعش من البرد، لقيت صوت حما ابني.. صوت الراجل الصارم اللي كان يرفض يبص في وشي.

قال بصوت واطي ومردود، خالي من القسوة القديمة: «أنا بكلمك يا أم هاني.. عشان أبلغك أمانة. ابنك هاني اتعرض لحادثة طريق وهو راجع من شغله بالليل، والعربية اتقلبت بيه، وهو حالياً في الرعاية المركزة في مستشفى المحافظة هنا…».

الخط قطع أو التليفون وقع من إيدي، ما بقتش فاكرة. كل اللي افتكرته إني صرخت صرخة هزت أركان العمارة كلها، صرخة طلعت من أعمق مكان في قلبي، نزل على أثرها البواب وأم أحمد يجروا على الباب المفتوح.

أول مرة من سنة كاملة، أم أحمد تدخل شقتي، مسكتني وهي خايفة وقالت: «مالك يا ختي؟! في إيه إيه اللي جرى؟!».

قلت وأنا بلطم على وشي وبصرخ: «ابني يام أحمد! ابني بين الحياة والموت في بلد غريبة! ابني بيموت بعيد عني!».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *