زباله ابنى أمانى السيد3
مسحت الألبوم كله من التليفون، مسحت كل صورة، وكأن كل مسحة كانت بتنزع حتة من روحي. بس المسح ما رجّعش العفش مكان، ولا رجّع صوت ابني وهو بيضحك في اللي فوقي، ولا مسح الكسرة اللي سبتها في قلب مراته. قعدت على السيراميك البارد في شقته الفاضية، الصوت جوايا كان صراخ مكتوم، والعمارة كلها ساكتة زي القبور.
مرت شهور، العيد جه وعدى وأنا قاعدة بين أربع حيطان، لا بابي خبط، ولا تليفوني رن بصوت ابني يقولي “كل سنة وانتِ طيبة يا أمي”. الفلوس كانت بتنزل في الحساب زي الساعة، بس الفلوس كانت طالعة زي الجمرة في إيدي، تفكير إنه بيبعتهالي كأنه بيخلص ذمته من ربنا، من غير نفس ولا كلمة، كان بيدبحني كل يوم ألف مرة.
أهل العمارة خلاص نسيوا الموضوع وبطلوا يتكلموا، بس النظرات اتغيرت؛ بقت نظرات تجنب وتحاشي، كأني مريضة بمرض معدي. حتى أم أحمد اللي كنت بفتكرها صديقتي، بقت لما تشوفني في الشارع تغير طريقها وتاخد شارع تاني. بقيت أخرج الصبح بدري أشتري طلبتي قبل ما حد يصحى، وأرجع أقفل عليا الباب بالترباس، أعيش مع الندم اللي بقى ياكل في جسمي لحد ما خست ونحلت، ووشي بقى زي العضم.
في يوم، وجسمي مش شايلني، جاتلي حمى شديدة. الحرارة رفعت وكنت في ومش قادرة أمد إيدي أجيب كباية مية. التليفون كان جنب السرير، مسكته وإيدي بتترعش، وطلبت رقم ابني. الرقم رن.. رن.. ورن.. لحد ما قفل. طلبت تاني وتالت، وفي المرة الرابعة، جالي صوته، بس ما كانش صوته.. كان صوت جاف، بارد، خالي من أي لهفة: «خير يا أمي؟ المصروف وصلك ولا في مشكلة في الحساب؟».
دموعي نزلت حامية على الخد، وقلت بصوت مقطوع ومبحوح من العياط والمرض: «أنا تعبانة يا بني.. الحرارة واكلاني ومش قادرة أقوم من السرير.. تعالى طل عليا يا حبيبي، والله ما هجيب سيرة حاجة، بس أشوف وشك وأطمن عليك».
ابني اتنفس بصوت تقيل وقال: «أنا بعيد يا أمي.. بيني وبينك ساعتين في السكة، ومراتي تعبانة والولد عنده ميكروب في أذنه ومحتاجني جنبه. أنا هكلم البواب ينزل يجيبلك دكتور ويشتريلك الأدوية، وهبعتلك حد يعملك أكل.. بس أنا مش هقدر أجي النهاردة».
صرخت بكسرة: «تبعتلي البواب ودليفري يا بني؟! أُمك بتموت وعايزاك أنت! مش عايزة دوا ولا دكاترة، عايزاك أنت يا ابني!».