زباله ابنى أمانى السيد3

أم أحمد ما ترددتش ثانية، نسيت كل اللي فات وكل الزعل والفضايح، وحضنتني وقالت للبواب: «انزل هات تاكسي بسرعة يا حسن! الست دي لازم تسافر لابنها حالاً!».

سافرت في نص المطر والليل، الطريق كان أسود وزي الموت، وأنا بطبطب على صورة حفيظي اللي في جيب جلبابي وأدعي ربنا دعوات العاجز المكسور: «يا رب خذ عمري واديله، يا رب لا تفجعني فيه، يا رب ما تحرمنيش منه قبل ما أطلب منه السماح للمرة الأخيرة!».

وصلت المستشفى مع أذان الفجر. المحافظة الغريبة كانت ساكتة وغارقة في المطر. دخلت المستشفى أجر رجليا زي الميتة، لحد ما وصلت للدور اللي فيه الرعاية المركزة.

شفت حما ابني واقف في الممر، وجنبه مراته، ومراته ابني كانت قاعدة على الكرسي ضامة رجلها لصدرها وبتبكي بحرقة وتبص لشبابيك العناية.

أول ما شافوني، محدش منهم صرخ ولا حد قال لي «امشي» زي زمان. الوجع الكبير بلع كل الزعل القديم. أم مراته قامت وقفت وبصت لي بدموع، ومراته رفعت رأسها وهي منهارة، وعيني جات في عينها لأول مرة من سنين.

قربت من باب العناية المركزة، وبصيت من الإزاز الدائري.. شفت ابني نايم، الأجهزة مالية جسمه، والمونيتور بيزمر بصوت منتظم وضعيف، ووشه مليان جروح ولزق طاقية أبيض.

نزلت على ركبي قدام الإزاز، وحطيت إيدي الاثنين عليه وأنا بنتحب بصوت يقطع القلب. مراته قامت من مكانها بخطوات ثقيلة، وجت وقفت جنبي قدام الإزاز.. حطت إيدها على كتفي وهي بتعيط، وقالت بصوت مكسور: «ادعيله يا طنط.. ادعيله، هو محتاج دعواتك دلوقتي أكتر من أي وقت فات…».

حسيت بإيدها على كتفي كأنها طوق نجاة اترملي في أعمق بحر. مسكت إيدها وبستها وأنا بدمع وقلت: «سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا رب تموتني ولا تفجعنا فيه.. سامحيني على كل كلمة وكل كيس زبالة وكل فضيحة عملتها ف حقك!».

مراته بكت بحرقة وقالت: «مسامحاكي يا طنط.. والله مسامحاكي من زمان، بس أدعي له يقوم لنا بالسلامة.. ابنك كان بيحبك وكان بيحكي لي عنك كل يوم وهو بيعيط!».

الكلمة دي نزلت على قلبي كشلال نار.. ابنك كان بيحبك وكان بيعيط عليكي كل يوم.

قعدنا كلنا في الممر، نطبطب على بعض ونستني المعجزة، مرت ساعات الفجر الصعبة حاسمة، والدكاترة داخلين طالعين وجوههم جادة وتخوف. وقبل الشمس ما تطلع مباشرة، خرج الطبيب الرئيسي من غرفة العناية، ووقف في نص الممر وهو بيشيل الكمامة من على وشه…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *