العقد ج2 الكاتبة نرمين عادل همام

فريدة قفلت الكتاب في إيدها. صوت قفلة الكتاب الخشبية رن في الصالون الواسع كأنه ضربة قلم.

“يا سليم،” فريدة قالت بصوت ثابت زي الجبل، “الناس الكبار العاقلين مبيسرقوش ورث جدهم ودهب عيلة مراتهم ويروحوا يلبسوه لبنت قد عيالهم، لمجرد إنها تافهة وفاكرة السرقة دي قصة حب ورومانسية.”

وشه اتقلب والوانه خطفت. هنا بانت الحقيقة.

مكانش في عينه اعتراف بالذنب، ولا رغبة في الاعتذار. كان في عينه حسابات.

كان عمال يحسب في دماغه بالثانية هي عرفت إيه؟ ومين اللي قال لها؟ وهل الموضوع واقف بس عند العِقد الياقوت ولا لقطت خيط الحسابات والتحويلات الكبيرة اللي في الضلمة؟ فريدة كانت قاعدة وبتتفرج على ملامحه وهي بتتحرك بالحسابات دي بمنتهى البرود والصبر، كأنها واحدة واقفة برة اللعبة تماماً وبتتفرج عليه من بعيد.

سليم أخد نفس طويل وقال بتلعثم: “أنا أقدر أشرحلك كل حاجة.. السالفة مش كدا.”

“أنا متأكدة إنك هتعرف تشرح وتبرر كويس جداً.. طول عمرك لسانك حلو وبتعرف تلف وتدور وتطلع نفسك من أي مصيبة زي الشعرة من العجين.”

“طب اسمعيني وسيبيني أفهمك..”

“لأ.”

عقدا حاجبيه بضيق وغضب وقال: “لأ؟”

“أيوة، لأ،” فريدة كررتها بمنتهى الهدوء والثبات اللي يجنن. “هتتكلم لما أكون أنا جاهزة ومزاجي يسمح إني أسمعك. الليلة دي أنا تعبانة، وأنت لسه مخوفتش كفاية عشان تنطق بالحق وتقول الصدق.”

الجملة دي نزلت عليه في وسط الصالون الواسع كأنها لوح زجاج اتدشدش على أرض رخام أثرية.

سليم فضل واقف ساكت ومقدرش ينطق بحرف واحد. فريدة وقفت، وأخدت كتابها معاها. مشيت من جمبه ببطء شديد، وقربت منه لدرجة إنها لقطت ريحة برفان حريمي خفيف وناعم طالع من هدومه ومستخبي ورا ريحة الويسكي والمطر.

وعند الباب وقفت وبصتله ورا ضهرها: “في حاجة أخيرة يا سليم.”

لف وبصلها بلهفة كأنها هتديله طوق نجاة.

وقالت ببرود يقتله: “العِقد مش هو المشكلة.. العِقد ده هو الجزء اللي أنت كنت غبي كفاية عشان تسيب الناس تصوروه على رقبتها بالبساطة دي.”

وسابته واقف مكانه وخرجت. سليم فضل واقف في مكانه متسمر لوقت طويل مبيتحركش والدم متجمد في عروقه.

على الساعة تمانية بالليل، فريدة مسكت التليفون وكلمت ابتسام هانم الورداني.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *