ثمن الطيبة وسواد النفوس ج 1 حكـايات مني السيد حصري
اللي مكنش بيرفض لها طلب؟ دخلت الأوضة، وطلعت الورقة اللي لقيتها الصبح. مكنتش عارفة أتصرف فيها إزاي، كان لازم حد ثقة وفاهم في الدين يفيدني عشان أفك الأذى ده من غير ما يضرنا. اتصلت بأخويا الكبير، وحكيت له على كل حاجة بالتفصيل، من أول الفلوس لحد العين السحرية واللي شفته الفجر. أخويا اتصدم وقعد يسب ويلعن في الغل والحقد، وقال لي اسمعي يا ولاء، الحاجات دي مفيهاش هزار، ولازم تتفك على إيد راجل دين بيتقي الله، مش دجالين وسحرة زيهم، هاتي الحاجة دي وتعالي لي، أو خليكي في بيتك وأنا هاجي لك ومعايا الشيخ عبد الرحمن، إمام المسجد الكبير عندنا، راجل فاضل وبيفهم في الرقية وأمور السحر بما يرضي الله.
وفعلًا، بعد العصر كان أخويا عندي ومعاه الشيخ عبد الرحمن. جوزي كان لسه بره بيحاول يدور على حل للديون. الشيخ عبد الرحمن قعد وشاف الورقة، وقعد يستغفر بصوت عالي ويهز راسه بأسى حسبنا الله ونعم الوكيل، ده معمول للتفريق والوقف، وقف الحال في الرزق، والخراب بين الراجل ومراته، ونفور ومرض. سألته وأنا برتعش وهيتفك إزاي يا مولانا؟ الشيخ قال لي بالقرآن بس، مفيش حاجة تكسر الباطل إلا الحق. هاتي جردل مياه نضيف، وشوية ملح خشن، ونقرأ عليه سورة البقرة، وآيات فك السحر، وبعدين ننقع الورقة دي فيها لحد ما الحبر يذوب تمامًا ويتحلل، وبعد كده نرمي المياه في أرض زراعية أو مكان طاهر.
بدأ الشيخ يقرأ بصوت خاشع ومزلزل، وكل ما صوته يعلى بالقرآن، أحس كأن في تقل كان على صدري وبيتشال، كأن البيت كان مكتوم وفجأة دخل فيه هوا نضيف. الورقة دابت في المياه، والعقد اتفكت واحدة ورا التانية وهو بيقرأ المعوذات، لحد ما السحر بطل وانتهى أثره تمامًا. الشيخ وصاني قبل ما يمشي شغلي سورة البقرة في البيت يوميًا، ورشي أركان الشقة بمياه مقروء عليها، وخلي جوزك يحافظ على أذكار الصباح والمساء، والحافظ هو الله، بس خلي بالك… اللي عمل العمل ده مش هيسكت لما يلاقي حالكم بيتصلح وأثره اتمسح.
كلام الشيخ رن في ودني مش هيسكت! وفعلًا، عدت تلات تيام، وبدأت أحس إن البيت بيرجع له هدوءه تدريجيًا. جوزي رجع في يوم مبتسم لأول مرة من شهور، وقال لي إن في عميل قديم رجع له فجأة واداه دفعة مقدمة لشغل جديد، وإنه قدر يسدد جزء كبير من التزاماته. الفرحة رجعت تدق بابنا، بس أنا كنت عارفة إن في عاصفة تانية جاية في السكة.
في اليوم الرابع، المغرب كان بيأذن، وسمعت خبط قوي وعنيف على باب الشقة. فتحت الباب، ولقيت منى، أخت جوزي، واقفة قدامي! بس مكنتش منى بتاعت زمان، كانت داخلة وشها أحمر من الغيظ، عينيها بتطق شرار، وبتنهج كأنها كانت بتجري. زقت الباب ودخلت الصالة من غير حتى ما تقول سلام عليكم. وقفت في نص الصالة، وبصت لي من فوق لتحت وقالت بنبرة حادة ووقحة هو أخويا فين؟ قولت لها بهدوء وثبات غير عادي، كنت مستغربة نفسي إزاي قادرة أقف قدامها بالقوة دي أخوكي في الشغل، وميرضاش تدخلي بيته بالطريقة دي يا منى. ضحكت باستهزاء وقالت بيته؟ ده بيت أخويا قبل ما يكون بيتك! وإنتِ ملكيش كلمة هنا! وبعدين قولي لي بقى يا ست العارفين… إنتِ عملتي إيه؟ بصيت في عينيها مباشرة وسألتها ببرود عملت إيه في إيه بالظبط؟ وضحي كلامك عشان أفهم. منى اتلجلجت ثانية، بس الغل كان عاميها يعني الشغل اللي رجع له، والضحكة اللي راجعة لوشوشكم، فاكرة الدنيا سايبة؟ فاكرة إنك هتعيشي متهنية وهو يصرف عليكي وعلى أهلك وإحنا نموت من الجوع؟ قربت منها خطوة وقولت لها بصوت واطي بس حاسم كالسيف إحنا لا بنأذي حد، ولا بنروح لدجالين في نص الليل يا منى… ولا بنرش مياه زفرة على عتبات البيوت، ولا بنحط ورق معقود ورا البراويز!
أول ما الكلمات دي خرجت من بقي، وشها جاب ألوان الطيف كلها! عينيها وسعت برعب، شفايفها اترعشت، ورجعت خطوتين لورا وكأنها شافت عفريت. إنتِ… إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟ قالتها بصوت مرتعش وهي بتحاول تداري الخضة اللي شلت لسانها. كملت كلامي وأنا باصة في عينيها اللي كان ماليها الفزع أنا شوفتك… بعيني الاتنين دول من العين السحرية، شوفتك وإنتِ واقفة مع الراجل اللي جايباه، وشوفتك وإنتِ بتدليله على مكان السحر، وسمعتك وإنتِ بتقولي له بسرعة قبل ما تصحى!
منى حاولت تصرخ وتعمل مشهد هجوم كعادتها عشان تداري على فضيحتها إنتِ كدابة! إنتِ بتتبلي عليا عشان تكرهي أخويا فيا! أنا هوريكي مين اللي… وفجأة، اتقطع صوتها، والكلمة وقفت في زورها زي اللقمة الناشفة.
الباب كان مفتوح، وكان واقف على العتبة شخصين مكنتش متوقعة وجودهم في اللحظة دي أبدًا. جوزي… وحماتي، اللي كانت ساندة على إيده وطالعة معاه السلم عشان كانت جاية تقعد معانا شوية.
جوزي كان واقف متصلب، وشه اتخطف تمامًا، وملامحه كانت مليانة صدمة ووجع يهد جبال. الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، وحماتي كانت حاطة إيدها على قلبها وبتنهج، وعينيها بتفيض دموع وهي بتبص لبنتها بنظرة كره وخذلان عمري ما شوفتها في عيون أم قبل كده.
منى لفت وشها وشافتهم، واتسمرت مكانها كأن