ثمن الطيبة وسواد النفوس ج 1 حكـايات مني السيد حصري

فجأة! في اللحظة دي اتراجعت خطوة لورا على طراطيف صوابعي وكأني بتفادى طلقة. سمعت صوت خطواتهم وهي بتنزل على السلم بسرعة ومن غير صوت كأنهم تعابين هربانة في الضلمة.
رجعت أوضة النوم وأنا بتطوح، قعدت على طرف السرير، بصيت على جوزي لقيته نايم في سابع نومة، وشه شاحب وتعبان من هموم الشغل والديون اللي طوقت رقبتنا من يوم ما الفلوس راحت. كان نفسي أهزه وأصرخ وأقول له اصحى شوف أختك بتعمل فينا إيه! اصحى شوف الغل وصلها لإيه!، بس مسكت نفسي بالعافية. لو صحيته في اللحظة دي هيتصرف بتهور، ولو واجهها من غير دليل مادي هتنكر وتعمل نفسها مظلومة، والبيت كله هيتقلب فوق دماغنا، خصوصًا وإن حماتي ست كبيرة وضغطها عالي وممكن تروح فيها لو عرفت إن بنتها دخلت في السكك المقفولة دي.
فضلت قاعدة صاحية لحد أذان الفجر، كل دقيقة بتعدي عليا كأنها سنة. الأفكار كانت بتنهش في نافوخي زي السوس. ليه؟ عملت لها إيه؟ هل عشان أمها بتحبني؟ طب ما أمها بتحبها برضه وهي بنتها من لحمها ودمها! هل عشان ربنا كان كرمنا بشوية وسع في الأول؟ طب ما إحنا اتقصف رقبتنا من بعد ما هي أخدت الفلوس وما رجعتهاش وبقينا على الحديدة! الغل ده كان متداري فين السنين دي كلها؟ تحت ابتسامتها الصفرا وهي بتقيس فساتيني؟ ورا صوتها الرقيق وهي بتقول لي تسلمي لي يا أطيب سلفة في الدنيا؟
أول ما النور شقشق وصوت الأذان خلص، قمت اتوضيت وصليت ركعتين بنية كشف الغمة وإظهار الحق، كنت بعيط بحرقة عمري ما حسيت بيها قبل كده. بعد ما سلمت، لبست إسدالي وفتحت باب الشقة ببطء شديد وأنا ماسكة قماشة قديمة وجوانتي بلاستيك ومياه بملح وخل ورقية شرعية كنت حافظاها. طلعت عند الباب، وبصيت على الحلق الخشبي زي ما شفته بيعمل.
مديت صوابعي المرتعشة ورا البرواز، وفعلًا لقيتها! ورقة صغيرة ممسوكة بخيوط معقدة ومكتوب عليها بلون باهت كأنه زفت، كلام مش مفهوم ورسومات وحروف متقطعة، وعليها نقط زي الدم الناشف. مسكتها بقرف وحرقة، وغسلت العتبة بالمياه والملح ومسحت المكان كويس جدًا وأنا بقرأ آية الكرسي والمعوذتين بصوت مبحوح. أخدت الحاجة دي وخبّيتها في مكان محدش يوصل له عندي لحد ما أشوف هتصرف إزاي، كان لازم أكون هادية ومحسوبة الخطوة، لأن الغلطة هنا بحياة بيتي وجوزي.
على الساعة تمانية الصبح، جوزي صحي. أول ما قام، قعد على طرف السرير وهو حاطط إيده على راسه كالعادة بقاله شهر دماغي هتنفجر يا ولاء.. حاسس بحمل تقيل على صدري، مش قادر أتنفس، ومش عارف الشغل اللي واقف ده هيتحل إزاي. قربت منه، طبطبت على كتفه وحاولت أبان قوية مع إن روحي كانت مهدودة سلامتك يا حبيبي، إن شاء الله غمة وهتزول، ربنا ما بينساش حد. بص لي بحزن وقال أنا قصرت معاكي في إيه؟ إحنا عملنا إيه في دنيتنا عشان الدنيا تتقفل في وشنا بالشكل ده؟ كل باب أروحه يترد في وشي، والمقاولين بيطالبوني بالفلوس، وأختي… أختي اللي لحمي من لحمها مش راضية حتى ترد على تليفوني عشان ترجع جزء من الأمانة اللي خدتها!
كلامه كان بيحرق قلبي، كان بيقطع في لحمي، وكنت ماسكة لساني بالعافية إني ما أقولوش أختك مش بس واكلة فلوسك، أختك جايبة دجالين على باب شقتك بالليل عشان يدمروك ويدمروني معاك!، بس سكت، صبري كان هو سلاحي الوحيد.
جوزي نزل يسعى على رزقه، وأنا نزلت على طول لحماتي في الدور الأرضي. أول ما دخلت عليها، لقيتها قاعدة في الصالة، المسبحة في إيدها وسرحانة، وشها مهدود وعينيها دبلانة. أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت تعالي يا بنتي، تعالي يا ولاء… قلبي واكلني عليكي وعلى جوزك. قعدت عند رجليها وبوست إيدها مالك يا ماما؟ فيكي إيه مخبياه عليا؟ إنتِ مش مريحاني بقالك فترة. حماتي اتنهدت تنهيدة طالعة من قاع قلبها، وقالت بصوت واطي ومبحوح منى بنتي يا ولاء… منى مش مضبوطة. قلبي اتنفض، وحاولت أستدرجها من غير ما أبان إني شوفت حاجة مالها منى يا ماما؟ مش هي برضه مبسوطة في بيتها وجوزها أزمته عدت؟ حماتي دمعت ومسكت إيدي جامد أزمتها عدت بفلوسك وفلوس ابنها اللي شقيتوا فيها، بس النفوس… النفوس مريضة يا بنتي. من أسبوعين، لقيت في شنطتها حاجات غريبة… ورق ملخبط وصور ليكي ولابني، لما واجهتها وزعقت فيها، اتقلبت عليا وقالت لي إنتِ بتفضليها عليا! من يوم ما دخلت بيتنا وإنتِ شايلها فوق راسك، حتى لما أخويا ربنا فتح عليه بيشتري لها كل اللي نفسها فيه وأنا جوزي مطلع عيني!… طردتها من هنا يا ولاء، حلفت عليها ما تدخل البيت ده إلا لما ترجع لرشدها وتستغفر ربنا.
كلام حماتي كان القطعة الناقصة في البازل اللي في دماغي. يعني حماتي كانت حاسة وشايفة، وعشان كده كانت بتطردها وتتخانق معاها. قولت لها بحنية يا ماما متشيليش هم، ربنا هيهديها. ردت عليا بحرقة أنا خايفة عليكم منها يا بنتي، الغيرة عمتها، والفلوس اللي خدتها طمعتها زيادة، وخايفة تعمل فيكم حاجة تندم عليها عمرها كله.
طلعت شقتي وأنا الدموع في عيني. الغيرة توصل الأخت إنها تدمر أخوها الوحيد؟ اللي كان بيشيلها ويحطها؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *