انكسر دراعي وطلبت من جوزي يساعدني في التؤام ج 3 حكـايات مني السيد
لمحة نيوز
طارق اتفزع، قلبه وقع في رجليه:
“يوسف! يوسف مالك يا حبيبي؟ حرارتك عالية أوي ليه كدة؟!”
دور على الترمومتر في الأدراج، ملقاهوش، كل حاجة متبهدلة ومرمية في حتة. جاب كمادات مية من الحنفية، حطها على راس الواد، الواد صرخ ورفضها وقعد يرتعش من السخونية.
هنا طارق حس بالرعب الحقيقي..
مش رعب الشغل ولا رعب الفلوس ولا رعب الفضايح.. رعب إنه ممكن يضيع ابنه بإهماله وجهله، رعب إن سلمى كانت حامية البيت ده من كوارث هو عمره ما حس بقيمتها.
مسك الموبايل بإيد بتترعش زي الورقة في مهب الريح.
طلب رقم سلمى..
المرة دي رن.. رنة.. اتنين.. تلاتة..
فتحت سلمى الخط، وصوتها كان جاي ناعس ومروق:
“ألو؟”
طارق ممسكش نفسه، انهار في التليفون، صوته كان متقطع بالعبرات والشهقات زي عيل صغير ضايع في المولد:
“سلمى.. سلمى تعالي أرجوكي.. يوسف مولع نار يا سلمى، حرارته معدية الأربعين والواد بيترعش في إيدي وأنا مش عارف أعمل إيه! تعالي وحياة ولادك تعالي، أنا جزمة، أنا حمار، أنا مكنتش فاهم حاجة.. البيت غرقان وأنا متبهدل ومش قادر أتنفس.. تعالي انقذي ابنك يا سلمى!”
الخط سكت ثانية.. صوت سلمى اتغير تماماً، كل البرود والشماتة طاروا في ثانية، وحل محلهم صوت الأم الملهوفة اللي مستحيل تتخلى عن ضناها:
“طارق! افتح التلاجة في باب التلاجة هتلاقي إزازة لبوس حرارة زرقا، حطله نص واحدة فوراً ومتحطش كمادات ساقعة على دماغه، اعمل كمادات مية فاترة بين فخاده وتحت باطه! أنا جاية حالاً!”
قفلت السكة.
طارق جري على التلاجة، إيديه كانت بتترعش لدرجة إنه وقع إزازة الدوا مرتين في الأرض. عمل اللي سلمى قالت عليه بالحرف، قعد جنب يوسف على السرير، بيبكي ويمسح بمية فاترة على جسم الواد الصغير، وياسين في السرير التاني بيهشتكه برجليه، ولسانه مش بيبطل دعاء:
“يارب احفظهم.. يارب احفظهم.. أنا الغلطان، أنا اللي كنت أعمى ومفتري.. يارب سامحني.”
بعد نص ساعة بالظبط..
صوت المفتاح رن في الكالون.
الباب اتفتح، ودخلت سلمى.
كانت لابسة عبايتها وطرحتها، دراعها المكسور محطوط في الحمالة، وشها كان باين عليه القلق الشديد، ووراها شنطتها الكبيرة.
أول ما دخلت وبصت على الصالة: المنظر كان مهول.
رغوة غسيل واصلة للطرقة، ريحة البيت زبالة ولبن، بقع على الحيطان، وبامبرز مرمي في كورنر، والمطبخ كأنه موقع حرب نووية.
بس عينيها مدورتش على الشقة، جريت على أوضة النوم.
شافت طارق قاعد في الأرض جنب السرير، ساند راسه على حرف المرتبة، وشه غرقان دموع وتراب ورغوة، وماسك إيد يوسف الصغير بيبوسها.
أول ما طارق رفع عينه وشافها، قام زحف على ركبه، ومسك في طرف عبايتها ودفن وشه في قماشها:
“سلمى.. حقك عليا.. وحياة ربنا حقك عليا، أنا آسف.. أنا جزمتك على راسي، أنا اللي طلعت قليل الأصل ومعنديش دم.. أنتي بتشيلي جبال، أنتي شايلة البيت ده على كتافك وأنا كنت نايم في العسل وبتبطر وبقول مبلطة.. متسيبينيش تاني يا سلمى، والله البيت ده من غيرك يتهد على دماغنا كلنا!”
سلمى نزلت دموعها غصب عنها، مش عشان ضعفت، بس عشان شافت في عينيه الانكسار والندم الحقيقي، شافت إن الدرس كان كافي يدبحه ويربيه من أول وجديد.
طبطبت على كتفه بإيدها السليمة بصعوبة، وقالت بنبرة حازمة بس فيها حنية:
“قوم يا طارق.. قوم نلحق ابنك الأول، وبعدين نتحاسب.”
قربت من يوسف، قاست حرارته بشفايفها على جبينه، لقت الحرارة بدأت تنزل بفضل اللبوس والكمادات اللي طارق عملها:
“الحمد لله.. العرق نزل والحرارة كسرت، كان شوية تسنين مع لقطة برد من التكييف اللي أنت سايبه يضرب في صدورهم.”
طارق قعد على الأرض بيتنفس بصعوبة كأنه كان في سباق موت:
“الحمد لله.. ألف حمد وشكر ليك يارب.”
سلمى بصت لياسين، لقته نايم وبطنه هادية، ابتسمت نص ابتسامة وقالت له:
“أنت مكرعه وعامله تمارين بطن؟”
طارق هز راسه بكسوف:
“اه.. شوفتها على جوجل.. والله حاولت يا سلمى، بس لقيت نفسي عاجز، مكنتش متخيل إنك بتعملي كل ده كل يوم وبإيد مكسورة كمان وأنا رايح جاي أتنمر وأتأفف.”
سلمى اتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من قاع قلبها، وقعدت على الكرسي قصاده:
“طارق.. الست لما بتطلب مساعدة من جوزها، مش عشان هي كسلانة ولا عشان عايزة تذله. الست بتطلب مساعدة عشان بتحس إنها بني آدمة ليها طاقة، وإن العيال دول مسؤولية اتنين مش واحدة بس. أنت كنت شايفني ‘مبلطة’، وشايف أكلي وشربي ونضافتي ونضافة عيالك دي بتنزل من السما بمعجزة إلهية وأنا حاطة رجل على رجل. شوفت بعينك أهو، اللاشيء اللي أنا بعمله كلفك شغلك وكلفك كرامتك وكان هيضيعلك ابنك في يوم واحد!”
طارق باس إيدها السليمة، وباس الجبس بتاع دراعها المكسور:
” توبة يا سلمى.. توبة من دي النوبة. من هنا ورايح، كل حاجة في البيت بالنص، وكل قرش محوشه للمطبخ هحطه تحت رجلك، ومش هنزل من البيت ده ولا هروح قهوة غير وإحنا شايلين الليلة سوا.. بس سامحيني يا أم العيال.”
سلمى بصت له، وابتسمت ابتسامتها الصافية اللي طارق كان محروم منها:
“مسمحاك يا طارق.. بس على شرط.”
طارق اتنفض وقال بلهفة:
“شرط إيه؟ أؤمري، رقبتي ليكي!”
شاورت على الصالة والحمام والمطبخ بإيدها السليمة وضحكت بخبث:
“شايف المهزلة اللي برة دي؟ الرغوة، والمواعين، والهدوم اللي بقت بمبي، والبامبرز اللي مرمي في كل حتة؟”
طارق بلع ريقه برعب:
“أيوة.. مالهم؟”
سلمى حطت رجل على رجل، وسندت ضهرها لورا، وقالت بروقان:
“هتجيب مساحة وجردل، وتدخل تنضف البلاط ده يبرق، وتغسل المواعين على إيدك، وتلم الغسيل ده وتنشره، وأنا هقعد هنا في التكييف مع العيال أريح دراعي المكسور وأشرب نسكافيه وأتفرج عليك وأنت بتعمل ‘اللاشيء’.. ها، قولت إيه يا سي السيد؟”
طارق ابتسم بمرارة، قام على حيله وهو ضهره متكسر وكل حتة في جسمه بتوجعه، شمر كمام قميصه المقطوع وقال بأعلى صوته:
“تحت أمرك يا ست الكل! هاتولي المساحة والجردل.. ده اللاشيء ده طلع أتقل من شيل الحديد، وأنا فدا تراب رجلك ورجلين العيال!”
وخرج طارق على الصالة يبدأ أكبر عملية تنضيف في تاريخه، وسلمى بتبص له من الباب وهي بتضحك، بعد ما رجعت كرامتها وحطت النقط على الحروف، وعرفت جوزها إن البيوت مبتتبنيش بالقهر ولا بالكلام الفارغ.. البيوت بتتبني بالمشاركة والرحمة.. أو بدرس قاسي زي أسبوع الأوتيل!