ثمن الطيبة وسواد النفوس ج 2حكـايات مني السيد حصري
الفصل الثالث والأخير
التليفون وقع من إيد أحمد على السجادة، وفضل باصص للفراغ كأن روحه اتسحبت منه. الصوت اللي كان طالع من السماعة المرمية على الأرض كان لسه بيتردد: “أحمد… إنت سامعني؟ أختك بين الحياة والموت!”. حماتي اتنفضت من مكانها وجريت عليه وهي بتضرب على صدرها: “في إيه يا ابني؟ بنتي جرالها إيه؟ انطق يا أحمد نشفت ريقي!”.
أحمد بلع ريقه بالعافية، وحاول يقف على رجليه اللي مكنتش شايلاه، وبص لأمه بصوت مبحوح ومكسور: “منى… منى عملت حادثة كبيرة على طريق السويس، وجوزها بيكلمني من المستشفى العام، بيقول العربية اتقلبت كذا مرة وحالتها صعبة جدًا.”
في اللحظة دي، حماتي نسيت كل حاجة… نسيت القلم اللي نزل على وش بنتها، نسيت السحر والغل والخراب اللي كانت هتدخله علينا، وبانت غريزة الأم اللي مفيش أحن منها في الدنيا. صرخت ووقعت على ركبتها، وبدأت تشق جيبها وهي بتبكي بحرقة: “بنتي! ضنايا يا رب! احفظها لي يا رب متفجعنيش في ضنايا مهما عملت!”. جريت عليها، سندتها وقومتها وأنا بقول لها: “استهدي بالله يا ماما، ادعي لها بالرحمة والمغفرة، قومي البسي طرحتك ويلا نروح نشوف في إيه.”
أنا في اللحظة دي مكدبش على ربنا، مشاعري كانت متلخبطة ومربوكة. مكنتش شامتة، لأن الشماتة في المرض والموت مش من طبعنا ولا من ديننا، بس جوايا كان في إحساس تقيل بالرهبة، رهبة من سرعة عدالة ربنا، ومن الانتقام الإلهي اللي لما بينزل
على الظالم بياخده أخذ عزيز مقتدر. تذكرت كلام الشيخ عبد الرحمن وهو بيقول لي: “اللي بيلعب بالنار بيتلسع بيها، والسحر لما يترد على صاحبه بيهد كيانه.”
نزلنا بسرعة، أحمد ركبنا التاكسي وطاير على الطريق، وعينه مدمعة وإيده بتترعش على الدريكسيون وهو ساكت، سكوت واحد تايه ومش مستوعب إن اللي كان بيحاول يدمره من ساعات بقى هو اللي محتاج له دلوقتي. وصلنا المستشفى العام، الريحة بتاعة المعقمات وأصوات الأجهزة والتروليات اللي بتجري خلت قلوبنا تنقبض. لقينا جوزها واقف بره العمليات، هدومه متبهدلة تراب ودموع مغرقة وشه، أول ما شاف أحمد ارتمى في حضنه.
“أحمد… كانت سايقة زي المجنونة، كانت طالعة من عندكم وهي بتصرخ ومش شايفة قدامها، دخلت في مقطورة كانت واقفة على جنب الطريق، العربية بقت كوم صاج!”، جوزها كان بيحكي وهو بيترعش ومش فاهم إيه اللي وصلها للحالة دي، وطبعًا مكنش يعرف أي حاجة عن السحر ولا عن الفضيحة اللي حصلت قبلها بساعة.